للاستماع للنص عبر اليوتيوب
الْعَنْقاءُ أو الفينيق
قال الشاعر العربي المتنبي:
أرى العنقاء تكبر أن تُصادا فعائِدُ مَنْ تُطِيقُ له عنادا
حكمة تقول: لا تقف في وجهِ مَنْ لا طاقة لك معه في القوة المادية والمعنوية ؛ فأنتَ إن فعلت ذلك تَكُنْ كَمَنْ يريد صيد العنقاء، ولا يستطيع . فما العنقاء؟ ولماذا يستحيل اصطياده؟
"احترق فبعثَ مُجددا من رماده"، مقولة تُعَبَرُ عن كائن أسطوري كان له صدى واسع في تراث عدد من الشعوب القديمة الممتدة جغرافيا حول العالم، مثل قدماء المصريين والفينيقيين والإغريق والفرس والرومان والصينيين. وتبعا لذلك تعددت الأسماء التي أُطلِقَتْ عليه، فهو الفِينِيقُ في التراث الأوروبي نقلا عن أساطير الإغريق ، أو طائر العنقاء أو الرَّخ في التراث العربي، لكنها تُشير جميعًا إلى كائن واحد على الأغلب، وتعددت كذلك مستويات حضوره من ثقافة إلى أخرى. وتبقى الثقافة الصينية أكثر الثقافات التي شكل فيها الفينيق حضورًا قويًا وممتدًا في الزمان والمكان والرمزية. وكان المؤرخ اليوناني الشهير هيرودوتس أول من ذكره في القرن الخامس قبل الميلاد.
أما وصفه فقد قيل: إن العنقاء أخذ شكله من عدد من الكائنات؛ فهو طائر عملاق متعدد الألوان غلب عليه اللون الأحمر الأرجواني الشبيه بلون النار، وريشه ذهبي اللون. وللعنقاء عُرف الديك، ووجه طائر السنونو وعنق ثعبان، وصدر بجعة، وظهر سلحفاة، وذيل سمكة.
وقد وصفه الأديب الفرنسي فولتير قائلًا: كان بحجم النسر، لكن نظرة عينيه أخف وأرق من عيني النسر المتوعدة الشرسة. منقاره بلون وردي جميل كمنقار الطاووس، تجد في عنقه كل ألوان قوس قزح، لكنها أكثر إشراقًا وحيوية، ومن ريشه تشع آلاف الظلال الذهبية. ولون قدميه مزيج من الأرجواني والفضي، وذيله جميل ذو ألوان جذابة. أما في المُخَيَّلَةِ العربية، وفي قصص السندباد البحري، وفي حكايات ألف ليلة وليلة، وفي وصف الرحالة ابن بطوطة فهو طائر عملاق رأسه مثل رأس النسر، وله جناحان كبيران، يبلغ طولهما عشرين كيلو مترًا مربعًا، ويصل قِطْرُ بَيْضَتِه إلى خمسين مترا.
يسكن العنقاء كما تقول الأسطورة قرب الينابيع الباردة. ويطير كل فجر إلى أعالي السماءِ مُغْنِيًا ومُنْشِدًا بصوت عَذْبٍ أَخَّاذ، وطعامه من قطرات الندى، فلا يأكل لحم غيره من الكائنات، وهو طائرٌ مُعَمَّر. يعيش من 500 سنة إلى ألف سنة، وفي كل زمن لا يجتمع اثنان مِنَ العنقاء، فلكل زمن عنقاء واحد.
أما نهاية الفينيق أو العنقاء فهي الأكثر تأثيرًا في حمولاتها الرمزية؛ لأنه موت تعقبه حياة: فبعد أن يعيش الفينيق ألف سنة، ويقع تحت عبء الشيخوخة، يَشُقُّ طريقه صوب عالم الموتى، ويقوم ببناء عُش فوق أشجار النخيل يُشْبِهُ المحرقة، إختار أغصانه من أغصان أشجار. ومن نباتات عطرية جمعها من بلاد متعددة.
أهمها الهند، وحين ينتهي من بناء عش الموت يجلس فيه باستكانة، ويُغرّد للمرة الأخيرة بصوت خفيض حزين إلى أن تنير الشمس الأفق، وهو عاجز عن الحركة فيحترق متحولا إلى رماد. وحين يحترق احتراقا كاملا تخرج من بقايا رماده يَرَقَةٌ صغيرة، تزحف نحو أقرب بقعة ظليلة، وسرعان ما تتحول اليرقة إلى طائر فينيق جديد، يقوم بتحنيط رماد الطائر السابق، ويحمله إلى مدينة الشمس في مصر وهكذا.
وقد تعددت أوجه ما يرمز إليه العنقاء؛ فهو رمز الإخلاص والوفاء والنُّبلِ والتَّفَرُّدِ والرقة، فبالرغم من عظم حجمه وضخامته، فإنّه لا يسحق أي شيء يدوسه. ولا يأكل غيره. لكن الرمزية الأهم والأكثر شهرةً أنه رمز للتجدد فانبعاث حياة من رماد الحريق صورة اسْتَمَدَّتْ منها البشرية. واسْتَوْحَتْ دروسًا في التحدي والاندفاع والنهوض بعد عثرات الحياة ومصاعبها لذلك يحضر الفينيق أو العنقاء في المؤلفات الموسيقية، وفي الأشعار التي تدعو إلى كسر حواجز الصمت والخوف واليأس.

