كتاب العمق التاريخي للفكر الاتحادي اجتماعيات الصف العاشر الفصل الأول

الصف الصف العاشر عام
الفصل دراسات اجتماعية للصف العاشر
المادة اجتماعيات عاشر الفصل الاول
حجم الملف 69.23 MB
عدد الزيارات 35
تاريخ الإضافة 2021-06-26, 01:56 صباحا

كتاب العمق التاريخي للفكر الاتحادي اجتماعيات الصف عاشر الفصل الأول

القسم الأول: الفكر الاتحادي في الإمارات قبل قيام الاتحاد

نظرة عامة على الفكر الاتحادي في الإمارات

هناك محطات تاريخية مفصلية في حياة الأمم والشعوب، تمر بها وتتعرض خلالها لامتحان صلابتها وأصالة هويتها، وبقدر أصالة الهوية وتجذرها، بقدر ما تتحدد قابلية البقاء وحتمية الصمود والحفاظ على ملامح الروح الجماعية وطبيعة الخصوصيات المتصلة بمعالم ومكونات كل مجتمع 

وتظل هناك دائما بعض الشخصيات المؤثرة في محيطها ووسطها الشعبي، تلعب دورا محوريا ويطولية في استنهاض الهوية الوطنية للشعوب وتحفيزها وقيادتها، ويحقل التاريخ الإنساني بالعديد من هذه الشخصيات، مثل غاندي في الهند، ومانديلا في جنوب أفريقيا، وعبد الناصر في مصر، والراحل الكبير الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في الإمارات ومنطقة الخليج العربي: زايد القائد الإماراتي الذي بعث الإمارات من تاريخها وعمل بدأب على الوصول بها إلى لحظة إعلان الاتحاد وبداية النهضة المستمرة في الزمن الحاضر.

وبالنظر إلى التدخلات الخارجية والغزوات الاستعمارية التي تعرض لها العالم العربي على امتداد خريطته في مراحل متفرقة، يمكن القول: إن الهوية العربية بقيت عصية على التفتت والانسلاخ عن بيئتها وجوهر تكوينها الشخصي على المستوى الفردي والجماعي، الأمر الذي أسهم في إذكاء واستعادة الروح ونشوء الدولة الوطنية والأنظمة المعاصرة عقب رحيل الاحتلال من منطقة الخليج العربي على مراحل منذ منتصف القرن الماضي، بعد أن أوغل في محاولات التقسيم وتسميم الهويات وزراعة بذور الفرقة والتشتت، بل وعمل على ترسيم الحدود على الخريطة لجعلها أشبه ما تكون بقنبلة موقوتة، لكن الاستعمار فشل، وظلت الهوية العربية والخصوصيات المحلية الجماعية لكل بلد هي الطود الراسخ الذي تأسست على أكتافه الكيانات العربية على التوالي في النصف الثاني من القرن الماضي

تلك إشارة أولية، استدعاها السياق ونحن بصدد التقديم لهذا القسم الذي تقدم من خلاله نظرة عامة على الفكر الاتحادي في الإمارات قبل قيام الاتحاد ومما لا شك فيه أن هناك العديد من الشواهد والدلائل التاريخية، التي تبين أن إعلان میلاد دولة الإمارات العربية المتحدة، جاء منسجما مع واقع الجغرافيا والهوية الواحدة، لأن طبيعة المكان والتضاريس في الإمارات تشير بوضوح إلى

أن مبدأ الاتحاد يمتلك جذورة تاريخية في الواقع، حيث تكتسب إمارات الساحل - بحسب تسميتها القديمة - قدرا كبيرا ومتوارثة من الخصوصية التي لم تتغير ولم تتبدل، كشاهد أصيل على وحدة الإمارات تاريخية وجغرافية وثقافية. 

وهو ما يعني أن إعلان قيام الاتحاد وتشكل الدولة الإماراتية الحديثة، جاء ليلبي ويعزز بشكل عملي مقومات وعوامل الوحدة الإماراتية المتجذرة، ويترجمها كحقيقة تستند إلى عمق طبيعي وإنساني متراکم، يجعل من التلاحم بين الإنسان والجغرافيا في هذا البلد عاملا أساسية من عوامل الوحدة التلقائية 

وقد لعب الفكر الاتحادي لدى نخبة الحكام والمجتمع في الإمارات دورا مشهودا في تعبيد الطريق باتجاه صياغة لحمة الإمارات واتحادها، ولعل الواقع القديم والراهن المعاش يمثلان أهم مرجع لا يمكن الاستغناء عنه في سياق تأمل تجذر وحدة الإمارات وامتلاكها قوة دفع ذاتية وموضوعية، تتصل بجوهر الخريطة الاجتماعية في علاقتها بالمكان المتجانس واللصيق بنواة المجتمع الواحد، كما تتوزع هذه القوة الذاتية ما بين قوة تاريخية وأخرى سكانية مترابطة، تؤطرها المصلحة المشتركة التي تمثل الجذوة الأساسية لانبثاق الأمم والدول ونهوضها من أجل تنظيم شؤونها والدفاع عن وجودها 

وإذا ما تأملنا واقع الإمارات اليوم من أرضية اللحظة الراهنة، سنجد أن أكثر من أربعة عقود قد مضت على ذكرى إعلان قيام الاتحاد، وستمضي الستون المتبقية من هذا العقد سريعا، ليبلغ حينها عمر الدولة الاتحادية للإمارات المعاصرة نصف قرن من الزمن، ترسخت فيه بشكل أعمق على مستوى الوجدان الشعبي والبناء المؤسسي أسس ومداميك الدولة الحديثة، بكل ما لكلمة حدائة من معنى، بالنظر إلى الانتقالة الكبيرة للمجتمع الإماراتي، حيث أدى اكتشاف النفط إلى تحولات اقتصادية كبيرة، ومن ثم انتقال المجتمع الإماراتي من نمط الحياة القبلية إلى المجتمع المدني، ومن نمط اقتصادي متواضع إلى نمط عصري مختلف ومندمج في الاقتصاد العالمي، ومساهم بفاعلية وحيوية في إنتاج وصناعة واستهلاك المعرفة واستلهام كل جديد 

نتحدث إذن عن خمسة عقود تكاد أن تنقضي منذ ولادة دولة الإمارات المعاصرة على خلفية وجودها التاريخي القديم، بما لها من دلالة وتأثير عميق على تجذير الاتحاد على مستوى الهوية الرسمية والمؤسسية، بينما يرى بعض الباحثين في الشؤون السياسية بأن مضي ثلاثة عقود فقط تعتبر فترة كافية لأية دولة لتعزيز مؤسساتها وتحقيق نضج مجتمعها بما يكفي لانتهاج خيارات مدروسة (1)

وهناك نقطة أخرى مهمة جدا في هذا السياق تتعلق بالهوية الرسمية المعاصرة للإمارات التاريخية، وهي أن اسم دولة  الإمارات، قد اكتسب أيضا دلالة كلية، بحيث صار يحيل في الوعي الجمعي المحلي والعالمي إلى كيان «إماراتي" واحد وهوية واحدة، لدولة تتميز في المقاييس والمؤشرات العالمية بكونها من ضمن الدول التي تنتمي لمؤشرات الصعود والنمو والمنافسة بجدارة، في مختلف المجالات التي يهتم عالمنا المعاصر بقياس مؤشراتها وتحولاتها. 

وفي نظرة عامة على الفكر الاتحادي في الإمارات، نرى أن هذا الفكر والتوجه الوطني لم يكن جديدة، بل له جذور عميقة كانت تعبر عن استشراف وقدر أصيل من التشوق والنزوع الوطني في مراحل تاريخية سابقة لبناء اتحاد إماراتي، وكانت كل الظروف الخارجية والاستعمارية المحيطة تحاربه وتعيقه وتقف ضده، إلى جانب ظروف محلية أخرى متفرقة

والفكر الاتحادي في الإمارات هو فكر سياسي وطني نابع من البيئة الواحدة، ومع مرور الوقت كان هذا الفكر يتطور باستمرار، إلى أن وجد مناخا محليا وعربيا يغذيه بشكل أعمق، وبالتحديد مع تزايد نمو الشعور بالوحدة العربية وظهور حركة التحرر العربي 

وبالنسبة للفكر الاتحادي في الإمارات، سوف تكشف عن جذوره العميقة التي سبقت ظهور النزوع والفكر الوحدوي العربي، لكن الأخير كان له بالفعل في مرحلة متقدمة اسهامه أيضا وتأثيره على التعجيل ببلورة فكر اتحادي إماراتي حديث إذ يرى أحد الباحثين العرب بهذا الصدد أنه مع مرور السنين أصبحت المدن الكبيرة في الإمارات تمثل صورة لوحدة السكان، عندما صارت تقطنها مجموعات من كل الإمارات، وتصاهرت العائلات، وانتشر التعليم الحديث، وصار من الطبيعي أن تجد فكرة الوحدة مكانة لدى أبناء الإمارات(2).

لكن الباحث ذاته يؤرخ لتبلور هذا النزوع والفكر الوحدوي ببداية عقد الخمسينيات من القرن الماضي وظهور فكرة الوحدة العربية وجامعة الدول العربية في الأربعينيات، ونحن نختلف معه، لأن الفكر والتوجه الاتحادي في الإمارات سابق على هذا التاريخ بمراحل طويلة، وإن كنا نتفق معه بشأن أهمية تداخل السكان وأهمية نشوء المدن الإماراتية ودور تطور الأنشطة الاقتصادية والتجارية والمصاهرات في خلق نواة مجتمع الاتحاد الحديث، مع التأكيد على أن الفكر الاتحادي لدى الحكام ونخبة الشعب عميق وله شواهد عديدة كان الاستعمار يشعر بالقلق تجاهها ويقمعها منذ القرن الثامن عشر.

 

مفهوم الفكر الاتحادي 

بداية يجب التأكيد على أن لكل بيئة محلية خصوصياتها، ولكل شعب حكمته المتوارثة وطاقاته الحضارية الكامنة بداخله، والتي تتكون عبر الزمن على مدى أجيال متعاقبة، وعلى أساس هذه المرجعية يمكن إدراك الخصوصيات التي تميز مفهوم كل شعب وتطبيقه للأفكار والسياسات التي تنبع من بيئته وتجاربه المتراكمة 

لقد ظلت المركزية الأوروبية تفرض سطوتها وتفسيراتها التحولات وتعريفاتها للمفاهيم وفقا لنظرة سوسيولوجية أحادية نرجسية، لا تلقي بالا لخصوصيات الشعوب ومقدرتها على إنتاج أفكارها وأنظمتها السياسية وتعريفاتها الخاصة للمفاهيم، التي تبدو من حيث صياغتها اللفظية ذات أبعاد تشترك في المعنى، لكن الجوهر العميق يظل يحمل اختلافات تبعا لمقدرة كل بيئة على إضفاء روح خاصة على الأفكار، تتأسس على الخبرات التاريخية والممارسات الحية لتلك الأفكار  والمفاهيم في الواقع 

وتاليا تأثر الدارسون العرب وعلى وجه التحديد المختصون بالعلوم الاجتماعية بالمفاهيم الغربية ونظرتها للأنساق والجماعات من زاوية العلوم الإنسانية الغربية، فتم إسقاط المنظور الغربي في علم الاجتماع والعلوم السياسية على تفسير وتأويل الأنساق في المجتمعات العربية، وجرى تجاهل الخصوصيات الحضارية والطاقة الداخلية لكل مجتمع على إنتاج تحوله الخاص، باستثمار حكمته وتراثه وتجاريه وواقعه 

وإذا نظرنا ل «الفكر الاتحادي في الإمارات فإنه يحيل من حيث اللفظ وبشكل مباشر إلى المسار الفكري والتجارب التي أنتجت في ما بعد النظام الاتحادي الفيدرالي، كشكل من أشكال النظم السياسية العديدة المعمول بها على مستوى العالم

غير أن هذا الفكر وممارسته العملية في الإمارات، إنما يعبران بصدق عن مسار تجرية إماراتية ذات خصوصية واضحة، ويتطلب فهمها قراءة تاريخ التحالفات القبلية الكبرى في الإمارات، والتعرف إلى نمط من الذكاء السياسي المبهر الذي كان يحتفظ بأعلى قدر من التلاحم والوحدة السياسية، ويحمي المجتمع من التشظي، ويجيد صناعة توازن القوى وتوزيع النفوذ بين الفئات المؤثرة في المجتمع منذ القدم، بالإضافة إلى استناد هذا الأداء على شكل محلي أصيل من أشكال الديمقراطية وصناعة الإجماع عبر الشورى والتضامن الجماعي

 

شارك الملف

أنا ربوت