رواية آن في المرتفعات الخضراء اللغة العربية للصف الحادي عشر 2021 – 2022

الصف الصف الحادي عشر عام
الفصل لغة عربية الصف الحادي عشر عام
المادة عربي الصف الحادي عشر الفصل الثالث
حجم الملف 2.92 MB
عدد الزيارات 1134
تاريخ الإضافة 2022-04-19, 15:27 مساء

رواية آن في المرتفعات الخضراء اللغة العربية للصف الحادي عشر 2021 – 2022


الفصل الأول 

دهشة السيدة تشيل ليند 

كانت السيدة ريتشيل ليند تسكن حيث ينحدر طريق قرية أفونليا الرئيس نحو الغور الصغير، الذي تحفه الأعشاب الحرجية والعرائش،  ويقطعه جدول ينبع من الغابة التي يقع فيها منزل آل كثبيرت القديم. جدول اشتهر أنه كان في باكورة جريانه جدولا غنيا متدفقا في تلك الغابات التي تحتفظ بأسرار المستنقعات والشلالات. لكنه مع الوقت الذي وصل فيه إلى غور ليند تحول إلى غدير صغير ساكن ومطواع. إذ حتى الجدول لا يستطيع المرور من أمام بيت السيدة ريتشيل ليند دون أن يأخذ لياقته واحتشامه بعين الاعتبار. ولعله ساعة جريانه هناك شعر بأن السيدة ريتشيل كانت تداوم على الجلوس قرب نافذتها مسلطة عينا حادة على كل ما يمر أمامها، بدءا من الجداول والأطفال إلى ما يتجاوزهم، وأنها عند ملاحظتها حدثا غريبا أو شيئا في غير موضعه فلن تعرف طعما للراحة إلا بعد أن تتحزى أسباب ومسببات ما يجري. 

لاشك أن هناك وفرة من الناس في أفونليا وخارجها، ممن يستطيعون عن طريق إهمالهم لشؤونهم الخاصة، مراقبة شؤون جيرانهم عن كثب. لكن السيدة ريتشيل ليند كانت واحدة من تلك المخلوقات القديرة التي تستطيع تدبر شؤونها الخاصة وشؤون بقية القوم في وقت واحد. كانت ربة منزل ماهرة، قادرة على إنجاز عملها دائما، وعلى إنجازه بإتقان. وكانت تشرف على حلقة الخياطة، كما كانت تعتبر الدعامة الأقوى لجمعية خيرية، ومع ذلك، كثيرا ما وجدت السيدة ريتشيل متسعا من الوقت لتجلس لساعات أمام نافذة مطبخها تحيك أغطية اللحف القطنية؛ التي حاكت منها ستة عشر غطاء، كما كانت ربات بيوت أفونليا تردد بأصوات يشوبها الهلع، بينما تسلط في نفس الوقت عينا ثاقبة على الطريق الرئيسي الذي يشق الغور صعودا نحو الهضبة الحمراء بعد الغور. 

وبما أن أفونليا كانت تقع في شبه جزيرة صغيرة مثلثة تشرف على خليج سانت لورانس ويحيط الماء جانبين من جوانيها، فإنه كان لزاما على أي شخص يغادرها أو يقدم إليها أن يسلك طريق تلك الهضبة، متبوعا بعيني السيدة ريتشيل الناقدتين اللتين لا تغفلان شاردة. 

جلست السيدة ريتشيل في عصريوم من أوائل أيام شهر حزيران أمام نافذتها، وقد انسابت أشعة الشمس عبر النافذة دافئة وساطعة،  وتألق بستان الغور الذي يشرف عليه المنزل محتفلا بعرس براعمه ذات البياض المورد، والتي همهمت فوقها أفواج من النحل. في تلك الأثناء، كان توماس ليند؛ الرجل المتواضع الذي يدعوه أهالي أفونليا زوج ريتشيل ليند، يبذر بذور موسم اللفت الأخير في حقل التلة خلف البيدر، وكان من المفترض أن يكون ماثيو كثبيرت أيضا يبذر بذوره في حقل الجدول الأحمر الكبير، بعيدا إلى الأعلى عند المرتفعات الخضراء. 

كانت السيدة ريتشيل تعرف هذا لأنها في الأمسية السابقة سمعته في مخزن ويليام بلير في بلدة كارمودي وهو يخبر بيتر موريسون عن عزمه على بذر بذور اللفت في عصر اليوم التالي، لقد سأله بيتر بالطبع، لأن ماثيو كثبيرت لم يؤثر عنه تطوعه بالبوح بأية معلومة عن أي شيء طيلة حياته. 

مع ذلك هاهي ترى ماثيو كثبيرت، في الساعة الثالثة والنصف من عصر يوم حافل بالعمل، يقود عربته برباطة جأش مجتازا الغور نحو التلة، والأهم من ذلك أنه كان يضع ياقة بيضاء ويرتدي أحسن بزة من بزاته، مما يدل بجلاء على مغادرته أفونليا، بل إن العربة والفرس  البنية تبرهنان على أن وجهته تبعد مسافة جديرة بالاعتبار. 

فإلى أين يذهب ماثيو كثبيرت ياترى ؟ ولماذا هو ذاهب إلى حيث ينوي الذهاب) لو كان الأمر يتعلق بأي رجل آخر في أفونليا، لتمكنت السيدة ريتشيل من وضع الأمور في نصابها بمنتهى الحذق، ولربما تمكنت من التوصل إلى تكن يليق بالسؤالين معا، لكن ماثيو كان نادرا ما يغادر المنزل، مما يعني أن ما استدعاه لذلك لا بد وأن يكون حدثا طارئا، خارجا عن  الحسبان. فقد كان ماثيو من أكثر الرجال الأحياء خجلا، وكان ينفر من الاضطرار إلى الذهاب حيث يوجد الغرباء، بل وحتى إلى أي مكان يضطر فيه إلى الكلام، ولم تكن رؤيته متأنقا بالياقة البيضاء ومعتليا العربة من المشاهد التي يغلب حدوثها، وما كان بإمكان السيدة ريتشيل مهما أحدت ذهنها أن تعثر على جواب ما، وهكذا، أفسد عليها ما رأته، متعة ذلك العصر. 

أخيرا، توصلت المرأة الوجيهة إلى قرار. «سوف أقصد المرتفعات الخضراء بعد تناول الشاي وسأعرف من ماريلا إلى أين ذهب ولماذا.»  قالت السيدة ريتشيل لنفسها. «إنه على وجه العموم لا يذهب إلى البلدة في هذا الوقت من السنة ولا يزور أحدا أبدا، وإذا كان قد نفذ منه بذر اللفت فإنه لن يتكلف عناء التأنق وقيادة العربة لجلب ما يريد؛ كما أنه لم يكن يقود العربة بسرعة توي أنه بصدد الذهاب إلى الطبيب. مع ذلك لا بد أن أمرا طارئا قد حدث الليلة الماضية أجبره على الانطلاق اليوم. أنا في حيرة كاملة، هذه هي الحقيقة، ولن أعرف دقيقة واحدة من سلام الفكر أو الشعور قبل أن أعرف ما الذي أخذ ماثيو كثبيرت خارج أفونليا اليوم .

وفقا لما قررته، انطلقت السيدة ريتشيل نحو المرتفعات الخضراء بعد تناولها الشاي، لم يكن عليها الذهاب بعيدا، فالمنزل الكبير الذي  يظلله البستان العريشي حيث يقطن آل كثبيرت يبعد بمقدار ما يقارب ربع ميل صعودا من غور ليند، لكن لا ريب أن الدرب الطويل المؤدي إليه جعله أكثر بعدا. كان والد ماثيو كثبيرت الذي ورث عنه ابنه حياءه وصمته، قد رغب عندما أسس ركيزة بيته في الابتعاد عن الناس قدر ما أمكنه، دون أن ينعزل في الغابة. وهكذا شيد دارة المرتفعات الخضراء عند نهاية حدود أرضه، وما زالت قائمة هناك إلى الآن، لا تكاد تستبينها العين من الطريق الرئيسة التي تستقر على طولها جميع منازل أفونليا  الأنيسة، ولم تكن السيدة ريتشيل تعتبر الحياة في مكان كذاك المكان حياة على الإطلاق. 

هو مكان للسكن فقط، إنه لكذلك حقا.» قالت السيدة بتشيل لنفسها وهي تتتبع الدرب المحدد المعشوشب المحاط بأجمل الأزهار البرية. «ولا عجب في أن يكون ماثيو وماريلا غريبي الأطوار قليلا، نتيجة عيشهما هنا وحدهما، فرفقة الأشجار ليست بتلك الرفقة الأثيرة، ولو كانت كذلك فلا شك أن لديهما ما يكفي منها، أما أنا فإني أفضل صحبة الناس، لكن، لاريب أنهما يبدوان راضيين بحياتهما، رغم اعتقادي أنهما قد اعتادا على هذا الوضع ليس إلا، فالمرء، كما يقول الإيرلنديون، قادر على الاعتياد على أي شيء حتى على حبل المشنقة.» 

بهذه الأفكار تجاوزت السيدة ريتشيل الدرب المحدد إلى فناء دارة المرتفعات الخضراء الخلفي، كان الفناء يتميز بالخضرة والنظافة  والترتيب، تصطف على أحد جانبيه أشجار الصفصاف المهيبة، وتصطف على جانبه الآخر أشجار الحور المتشامخة. ما كان يمكن لمح عود شارد أو حجر فيه، وإلا لرأته السيدة ريتشيل التي تظن فيما بينها وبين نفسها أن ماريلا كثبيرت تواظب على كنس ذلك الفناء كلما كنست بيتها، حتى ليستطيع المرء تناول وجبة من على الأرض مباشرة، دون أن يتلوث ذلك الطعام بأدنى ذرة غبار يمكن أن يضرب بها المثل. 

نقرت السيدة ريتشيل على باب المطبخ بكياسة، ودخلت عندما دعيت. كان مطبخ المرتفعات الخضراء أشبه بغرفة مبهجة، أو بالأحرى كان يمكن أن يكون مطبخا مبهجا لو لم يكن مزعجا بنظافته التي أضفت عليه مظهزا يشبه مظهر غرفة استقبال مهجورة.

كانت نوافذه تشرف على الشرق والغرب؛ وكان العباب اللطيف لأشعة شمس حزيران ينساب من النافذة الغربية المطلة على الفناء الخلفي، أما النافذة الشرقية التي تتيح للناظر رؤية أزهار الكرز البيضاء وأشجار البتولا المتمايلة الغضة قرب الجدول عند الغور، فقد أشرفت على الخضرة التي اصطبغت بها الكروم المتشابكة. 




 

شارك الملف